مقالات

نقد الذات الليبية

الوطن| رصد مقالات

عشنا كشعوب عربية توجه الاتهامات للحاكم وللنخب في كل هزيمة او انكسار، وظلت صيغ الاتهام تلك تبريء شعوبنا، أو تبتعد بها عن دائرة تحمل المسؤلية فى كل سقوط نعيشه، وتحت مبررات عديدة ومختلفة، كالطغيان والاستبداد والقبضة الحديدية، أو أن شعوبنا ليست صاحبة وعي، إلا أن أصواتاً شرعت تبرز مؤخراً، وخصوصاً بعد الربيعيات العربية، باتت تطالب بعدم تبرئة الشعوب العربية من مسؤولية الترديات الحاصلة، لأنها شعوب مساهمة بصمتها فى سوء أوضاعها، وهذا يخرجها من “مركز” الضحية، بحسب مفاهيم علم القانون.

شعوبنا العربية تعيش اليوم في وضعية أفضل مما كانت عليه قبل نصف قرن علي الأقل، بسبب النفط وانفتاح العالم وتدفق المعلومة وارتفاع معدلات التعليم ومحو الأمية، وهي عناصر يدرجها نقاد فكرة “عدم تبرئة الشعوب العربية” من مآسيها، والتي تندرج تحت عمل فكري عربي حديث، يهدف لنقد الذات العربية المعاصرة. فالخنوع المرابط فى تلابيب الذات العربية يجعل من العربي بشرا ينتظر المعجزات لانتشاله من وضعه العاجز على إنجاز أي إصلاح، أو تحقيق اختراق لحالات الانسداد السياسي المعاش.

ظلت الذات العربية والإسلامية على مدى عقود طويلة هى الشغل الشاغل فى ساحة الفكر، فبرز علي شريعتي بمحاضراته وأفكاره، كمقاومة للذات الإيرانية المسلمة ضد التغريب، كما برز مالك بن نبي كصوت نهضوي رافض للفرنسة فى الجزائر، كمنطلق بكر لكتاباته وأفكاره التي تُرجمت للعربية لاحقاً.

فالشعب صاحب ذاته في فقه السياسة، والذات لا تملك أمرها وحريتها إلا عندما تحوز بتصورها ومخيالها حقيقة واقعها وعصرها. فالشعب اليوم، كمفردة، تعني سياسياً “المشيئة والسيادة العليا”، إلا أنه حسب الظاهر من حقيقة واقعنا فى ليبيا أننا، كشعب، لم نصل لهذا المفهوم من الذاتية والموضوعية، فتصورنا لأنفسنا كشعب لازال محصوراً، في اعتقادي البسيط، بكوننا مجموعة تعيش ضمن حدود سياسية، تحدد ماهية جغرافية بسيطة ورثناها كقطعة أرض من مستعمر غاشم، لم يبنِ منها شيئاً في دواخلنا. الألماني فيبر يعول اجتماعياً على منظومة التصورات والقيم والمواقف التي تحملها الذات الفردية، التي يتبنى من خلالها الأفراد أفعالهم الاجتماعية ومواقفهم فى الحياة. فبالنسبة لفيبر التصورات التي يحملها الأفراد هي من تحدد توجهاتهم، مما يجعلها تلح عليهم باستمرار على محاولة البحث والفهم في منظومة تصوراتهم بما يحقق وعيهم وإرادتهم لما يريدونه ضمن مجتمعهم صاحب “الموضوع” أو القضية.

أعتقد أن تصورنا لوطننا ليبيا ليس بالشيء الكامل أو الناضج، بمعني أنه يلح علينا لأجل محاولة الخوض في كل ما يحيط به وبمصيره، بحيث يخلق رأياً عاماً يدركه المجتمع ذاته وهو فى كبد أزماته، أو يلح بحضوره في ذهنية المواطن العادي وهو يمارس جزئيات يومه المزدحم بسوء الخدمات والأعمال المعطلة والفساد وانعدام الأمن والاستقرار، ووجوه لازالت تناور لأجل بقائها حاكماً وصياً عليه “لأنه دون حجم المرحلة وتحدياتها”.

نداءات وأطروحات شريعتي وابن نبي لأجل إيجاد الذات، وبناء يوم أفضل في حياتنا يثبت الحال بأنها أفكار لازالت تراوح مكانها، حتى بعد اغتيال الأول في لندن، وقبل أن يشهد الخميني يستلم حكم إيران وتقلب الثورة الإسلامية العالم جدلاً وتوترات، وكذلك بعد وفاة ابن نبي بوطنه الجزائر بعد استقلالها، ودون أن يشعر بأن بلاده كانت تسير نحو عشرية سوداء وعنيفة. فنحن في ليبيا لازلنا لا نملك تصوراً عميقاً وحقيقياً لليبيتنا. فشبح فليني الذي يلوح بين فينة وأخرى، وبلا أي تردد بسبب تدابير ساستنا في أزمتنا المتجددة لا يلقى معارضة قوية على أي صعيد معروف لدينا. فانقسام البلاد إلى شرقية وغربية وجنوبية ليس خطاً أحمر يربك أي حسبة سياسية وطنية راسخة. ولا يثير الشارع المحشور بين تلبية مستلزماته ومشاق السعي إليها. فالوجدان الليبي يظل مرتبكاً ومشوشاً حول هويته أيضاً، فقد أمضى عقوداً يتلقى خطاباً رسمياً يرميه في هوية عربية وحدوية تارة، وهوية أفريقية تارة ثانية، وإسلامية في ثالثة، وكان على المواطن البسيط أن يتلقى كل هذا، وأن يهضمه، بينما كانت الذات بمعناها الحقيقي لم ترسم ملامحها العميقة في شخصه، وفي كيانه.

شعبنا في ليبيا بعزوفه الراهن سيستمر في دفع ثمن غيابه، كأي بشر تخلى عن الدفاع عن “ذاته”، وعن مصلحته، ضمن مهاترات الساسة وصدامهم المستمر لأجل حوز سلطة الأمر الواقع وأدواتها. فسوء الخدمات العامة، وانعدام مراقبة الأسعار، والفوضى العامة من الأمور التي تشغل الليبي اليوم، ويتعزز تغيّب الناس عن الشأن العام بغياب صحافة حرة تنبه، ونخبة واعية ومستقلة، تنتقد وتطرح بدائل، وترسم ملامح الذات لمجتمع لازال لم يخرج من المربع الأول في رحلة اختارها، ومن المؤكد أنه لم يكن يدرك عواقبها، ولا يعرف المتربصين له فيها، بمن فيهم ذاته الحالية بكل سلبيتها واغترابها.

موقع “بوابة الوسط” الليبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى